سامر شقير يكتب: الاقتصاد السعودي يتحدى صدمة النفط
لم تعد قوة الاقتصاد السعودي تقاس بقدرته على تحمل تقلبات أسواق النفط فقط، بل بمدى نجاحه في بناء مصادر نمو قادرة على الصمود عندما تتعرض صادرات الطاقة لاضطرابات جيوسياسية. ومن هذا المنطلق، تحمل التقديرات السريعة للهيئة العامة للإحصاء بشأن تباطؤ انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 3.8% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من 2026، مقارنة بانكماش أعمق في الربع الثاني، رسالة مهمة للمستثمرين بشأن التحولات الهيكلية في الاقتصاد السعودي.
وأرى أن الأهمية الحقيقية لهذه الأرقام تكمن في اختلاف أداء القطاعات؛ إذ انكمشت الأنشطة النفطية بنسبة 20.4%، بينما تسارع نمو الأنشطة غير النفطية إلى 1.9%. وهذا يعكس قدرة متزايدة للقطاعات المرتبطة بالتنويع الاقتصادي على امتصاص جانب من الضغوط الناتجة عن تراجع النشاط النفطي.
ويأتي ذلك في ظل استمرار اضطرابات الشحن الإقليمية وتأثر تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز منذ نهاية فبراير. وبلغت المساهمة السلبية للأنشطة النفطية 4.7 نقطة مئوية في النمو السنوي، مقابل مساهمة إيجابية للأنشطة غير النفطية بلغت 1.1 نقطة مئوية، بينما انخفضت الأنشطة الحكومية بنسبة 2.7%.
وعلى أساس فصلي معدل موسميا، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3%، مدعوما بتحسن نسبي في الأنشطة النفطية وغير النفطية. وأرى أن هذه المؤشرات لا تعني انتهاء الضغوط الاقتصادية، لكنها تكشف عن عملية تكيف تدريجية تستدعي التركيز على جودة النمو غير النفطي واستدامته، بدلا من الاكتفاء بمعدل الناتج الإجمالي.
**التحولات الهيكلية وفرص الاستثمار**
يعكس الانكماش للربع الثاني على التوالي التأثير المباشر للتوترات الإقليمية على أحجام الإنتاج والتصدير، وليس أسعار النفط وحدها. ورغم تراجع وتيرة انكماش الأنشطة النفطية مقارنة بالربع السابق، فإن مستوياتها لا تزال منخفضة بصورة ملحوظة مقارنة بالفترة المماثلة من 2025.
في المقابل، يمثل تسارع نمو الأنشطة غير النفطية إلى 1.9% إشارة إلى صمود الطلب المحلي والمشروعات المرتبطة بالتنويع الاقتصادي. لكن التحدي يتمثل في تحويل هذا النمو إلى إنتاجية حقيقية وروابط صناعية مستدامة، بدلا من الاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي والاستثماري.
وهنا تبرز أفكار مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations، بشأن أهمية بناء تجمعات صناعية مترابطة وتطوير الابتكار المحلي باعتبارهما أساسا للميزة التنافسية الوطنية.
ومن زاوية تخصيص رأس المال، أتوقع استمرار اهتمام المستثمرين المؤسسيين بالقطاعات غير النفطية ذات الرؤية طويلة الأجل، وفي مقدمتها البنية التحتية المرتبطة بصندوق الاستثمارات العامة، والخدمات المالية، والتكنولوجيا الرقمية، والطاقة المتجددة.
كما تبرز فرص في البناء والتشييد والخدمات اللوجستية والتصنيع، إلى جانب الشركات المستفيدة من الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري المحلي. وفي المقابل، قد تواجه الشركات ذات الانكشاف الكبير على أحجام إنتاج النفط ضغوطا على أرباحها إذا استمرت قيود التصدير.
وأرى أن مفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor يكتسب أهمية إضافية في هذه المرحلة، من خلال تجنب المبالغة في تقييم الأصول المرتبطة بالسلع، والحفاظ على توازن المحافظ الاستثمارية بين النمو والمخاطر.
**التداعيات الخليجية والمخاطر المستقبلية**
على مستوى الاقتصاد الخليجي، تؤكد التطورات أهمية تنويع مصادر النمو وتقليل الاعتماد الأحادي على النفط، وقد تستفيد الاقتصادات الأكثر تنوعا من تدفقات رؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار النسبي.
لكن استمرار التوترات في اليمن أو حدوث تصعيد إقليمي إضافي قد يضغط على قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، فضلا عن إطالة أمد انخفاض أحجام الصادرات النفطية. وقد يقترب الانكماش السنوي من توقعات وزارة المالية البالغة نحو 3.6% لعام 2026.
وفي المقابل، فإن استقرار الأوضاع الإقليمية وتحسن الإمدادات تدريجيا قد يدعمان تسارع النمو غير النفطي وانتعاشا اقتصاديا أقوى خلال 2027.
ويذكرنا مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money بأهمية التفكير طويل الأمد وتجنب ردود الفعل المبالغ فيها تجاه التقلبات قصيرة الأجل. ولذلك، ينبغي قراءة نتائج الربع الثالث باعتبارها جزءا من مسار أوسع لرؤية 2030، وليس مؤشرا منفصلا عن التحولات الهيكلية للاقتصاد.
**الرؤية الاستثمارية**
أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب توجيه رأس المال بصورة انتقائية نحو الأصول المرتبطة بالتنويع الاقتصادي، مع الحفاظ على مستويات مناسبة من السيولة وهامش الأمان تجاه المخاطر الجيوسياسية.
كما تظل متابعة أداء صندوق الاستثمارات العامة وقدرته على دعم زخم المشروعات الكبرى عاملا مهما في تقييم آفاق النمو.
إن تباطؤ انكماش الاقتصاد السعودي رغم الضغوط النفطية يسلط الضوء على أهمية التحول الاقتصادي الجاري، لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة بالطاقة والتوترات الإقليمية. وإذا استمر نمو القطاعات غير النفطية وتعززت إنتاجيتها، فقد تتوسع جاذبية الاقتصاد السعودي أمام المستثمرين المؤسسيين الباحثين عن فرص نمو طويلة الأجل في الخليج، بعيدا عن الاعتماد الكامل على دورات النفط.









