سامر شقير يكتب: اقتصاد الغد يقود معركة تخصيص رأس المال
لم تعد قرارات الاستثمار الكبرى تُبنى على أرقام اليوم وحدها، بل على ما تتوقعه الأسر والشركات من الغد، ومن هنا تكتسب جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2026، الممنوحة لروبرت هال ومايكل وودفورد عن «الأسس الجزئية لاستقرار الاقتصاد الكلي»، أهمية تتجاوز الاعتراف الأكاديمي؛ فهي تسلط الضوء على النظريات التي ساعدت في تشكيل سياسات البنوك المركزية الكبرى، وتؤثر في فهم أسعار الفائدة والتضخم وتوجيه رؤوس الأموال.
أرى أن هذه الجائزة تحمل رسالة مهمة للمستثمرين: توقعات الأسر بشأن الدخل المستقبلي والأسعار تؤثر مباشرة في الإنفاق، كما تؤثر توقعات الشركات في قرارات التسعير والإنتاج، وفي اقتصاد 2026، الذي يواجه تحديات العرض والطاقة، يصبح فهم هذه السلوكيات ضروريًّا لتقييم السياسة النقدية وتحديد الأصول الأكثر قدرة على الصمود.
من قرارات الأفراد إلى استقرار الاقتصاد
قدم روبرت هال، الأستاذ بجامعة ستانفورد، أبحاثًا أوضحت أن استهلاك الأسر لا يعتمد على دخلها الحالي فقط، بل يتأثر أساسًا بتوقعاتها للدخل المستقبلي، في إطار يشبه المسار العشوائي للاستهلاك، ودمج مايكل وودفورد، من جامعة كولومبيا، هذه الأفكار المرتبطة بجانب الطلب مع أبحاث جانب العرض وسلوك الشركات في تحديد الأسعار، لتتطور نماذج الاقتصاد الكينزي الجديد التي أصبحت أساسًا مهمًا لعمل البنوك المركزية الكبرى.
بدأ تطبيق هذا الإطار عمليًّا في بنوك مركزية مثل الاحتياطي النيوزيلندي وبنك إنجلترا عام 1997، قبل أن يمتد إلى الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، وأكدت لجنة الجائزة أن هذه النماذج توفر أساسًا نظريًّا مستقرًا للأطر المستخدمة حاليًّا، وتساعد على التعامل بصورة أفضل مع صدمات مثل أزمات الطاقة والتغيرات المفاجئة في استهلاك الأسر، وفق ما أشار إليه جون هاسلر رئيس اللجنة.
وتقوم الفكرة الأساسية على أن الأسر والشركات تتطلع إلى المستقبل عند اتخاذ قرارات الادخار والإنفاق والتسعير، وأن تواصل البنوك المركزية بشأن سياساتها المقبلة يمكن أن يوجه الاقتصاد بفاعلية، وفي تقديري، يعزز ذلك دور التوقعات باعتبارها قناة رئيسية لانتقال أثر السياسة النقدية، ويساعد على الحد من تقلبات الناتج والتضخم مقارنة بالنماذج التقليدية التي واجهت صعوبات خلال أزمات السبعينيات.
تخصيص رأس المال في عصر التوقعات
أرى أن الجائزة تعزز الثقة في أطر استهداف التضخم والتوجيه المستقبلي، بما قد يدعم استقرار أسعار الفائدة على المدى المتوسط إذا واصلت البنوك المركزية الاعتماد عليها، لذلك أميل إلى زيادة وزن الأصول عالية الجودة، خصوصًا الشركات القادرة على الحفاظ على استقرار أسعار منتجاتها والمرتبطة بالطلب الاستهلاكي طويل الأجل، مع التحفظ تجاه الأصول الأكثر حساسية لارتفاعات الفائدة المفاجئة.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحه مورغان هاوسل في كتابه «سيكولوجية المال» بشأن بناء الثروة عبر التفكير طويل الأمد وتجنب القرارات العاطفية تحت تأثير الأحداث قصيرة الأجل، فالمستثمر اليوم يحتاج إلى فهم تأثير التوقعات المستقبلية في تقييم الأصول، وليس الاكتفاء بقراءة البيانات الحالية، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي في نمذجة التوقعات الاقتصادية.
المخاطر والفرص الاستثمارية
لا تعني قوة هذه النماذج أنها قادرة على احتواء جميع الصدمات، فالاعتماد المفرط عليها قد يصبح خطرًا عندما تواجه الاقتصادات صدمات عرض حادة، مثل أزمات الطاقة، التي لا يمكن معالجتها بالكامل عبر توجيه التوقعات، وقد تؤدي هذه الظروف إلى تقلبات تفوق تقديرات النماذج، وتضغط على تقييمات الأسهم ومعدلات النمو.
في المقابل، قد تستفيد الخدمات المالية المرتبطة بالائتمان الاستهلاكي والشركات ذات المرونة السعرية من استقرار الطلب الكلي، لكنني أتمسك بمبدأ هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتاب «المستثمر الذكي»، فلا ينبغي المبالغة في التقييمات لمجرد تحسن الثقة في أدوات الاستقرار النقدي؛ فالنماذج تظل معرضة للخطأ في توقع السلوك الفعلي للأسر، وينطبق ذلك أيضًا على صناديق الاقتصاد الرقمي، حيث قد تتسارع التوقعات بفعل الذكاء الاصطناعي، لكنها تظل عرضة لتحولات سلوكية غير متوقعة.
السعودية والخليج أمام فرصة استراتيجية
في سياق رؤية السعودية 2030، أرى أن تعزيز الأطر العالمية لاستقرار الاقتصاد الكلي قد يدعم تدفقات رأس المال نحو مشروعات التنويع التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، عبر تقليل تقلبات الطلب العالمي على الطاقة وتوفير بيئة استثمارية أكثر قابلية للتنبؤ.
كما يمكن للاقتصادات الخليجية الاستفادة من فهم أدق لسلوك الاستهلاك العالمي، بما يعزز جاذبية القطاعات غير النفطية، وعلى رأسها السياحة والتقنية، ويتشابه التفكير طويل الأمد في تخصيص رأس المال السيادي مع جوهر فكرة التفكير في الغد قبل الإنفاق، بما يخدم أهداف التنويع الاقتصادي.
استثمار يتجاوز ردود الفعل
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد تعزز هذه الجائزة الثقة في قدرة البنوك المركزية على إدارة الدورات الاقتصادية، وتدفع المستثمرين إلى التركيز على النمو الهيكلي بدلًا من التداول التكتيكي قصير الأجل، وأفضل في السعودية والخليج زيادة الاستثمار في الأصول المرتبطة برؤية 2030 والمستفيدة من استقرار الطلب العالمي، مع الاحتفاظ بسيولة كافية لمواجهة أي انحرافات في التوقعات.
في النهاية، أرى أن الجمع بين فهم الأسس الجزئية للاقتصاد الكلي والتفكير الاستثماري طويل الأمد يمثل ضرورة للجيل الجديد من المستثمرين، لأن تخصيص رأس المال الأكثر كفاءة يبدأ بفهم ما تفكر فيه الأسر والشركات اليوم بشأن الغد.









