سامر شقير يكتب: لغز احتياطي مصر.. أين ذهبت الأموال الساخنة؟
كيف يرتفع احتياطي النقد الأجنبي في مصر إلى مستوى تاريخي جديد، بينما يسحب المستثمرون الأجانب نحو 3.5 مليار دولار من أذون الخزانة؟ هذا التناقض الظاهري يكشف تحولًا مهمًا في طبيعة التدفقات الدولارية، ويطرح سؤالًا جوهريًّا حول مدى قدرة الاقتصاد المصري على حماية استقراره النقدي بعيدًا عن الأموال الساخنة.
أرى أن بيانات أكتوبر 2026 تحمل دلالات تتجاوز مجرد تسجيل صافي الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي المصري مستوى تاريخيًّا بلغ نحو 57.5 مليار دولار، بزيادة 152 مليون دولار مقارنة بسبتمبر، رغم تسجيل الأجانب صافي مبيعات بنحو 3.5 مليار دولار في أذون الخزانة بالسوق الثانوية، وفقًا للتقرير الشهري للبورصة المصرية.
تكمن أهمية هذا التطور في مصادر الزيادة؛ إذ ارتفع رصيد العملات الأجنبية السائلة بنحو 768 مليون دولار ليتجاوز 40 مليار دولار، مسجلًا أعلى مستوى منذ فبراير 2020، وهو ما عوض تراجع القيمة الدولارية للذهب بنحو 613 مليون دولار وحقوق السحب الخاصة، وهذا يعني أن الاحتياطي لم يتعرض للاستنزاف المباشر رغم خروج الأموال الساخنة، مستفيدًا من تحسن مكونات السيولة الأجنبية.
التدفقات الحقيقية تتقدم على الأموال الساخنة
منذ صفقة رأس الحكمة في فبراير 2024، ارتفع صافي الاحتياطيات الأجنبية بنحو 22.2 مليار دولار، لكن بيانات أكتوبر تكشف أهمية التمييز بين التدفقات الاستثمارية قصيرة الأجل والموارد التي يولدها الاقتصاد الحقيقي.
فقد ارتفعت إيرادات قناة السويس بنسبة 94% على أساس سنوي لتصل إلى 724 مليون دولار، مع نمو عدد السفن بنسبة 65%، وفقًا لتصريحات رئيس الهيئة أسامة ربيع، رغم استمرار الفجوة بين المتوسط اليومي الحالي البالغ نحو 35 سفينة ومستويات ما قبل اضطرابات البحر الأحمر التي تراوحت بين 70 و80 سفينة.
كما بلغت تحويلات المصريين العاملين بالخارج نحو 33.9 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بزيادة 27.2%، وسجل أغسطس وحده تحويلات بقيمة 4.2 مليار دولار.
وأرى أن هذه الموارد، إلى جانب الصادرات والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، تمثل قاعدة أكثر استدامة لدعم الاحتياطي من الاعتماد على عودة الأموال الساخنة.
لماذا لم يتأثر الاحتياطي بخروج 3.5 مليار دولار؟
هنا تظهر أهمية التمييز بين الاحتياطي الرسمي والنظام المصرفي الأوسع، فتدفقات الأموال الساخنة تتوزع بين البنك المركزي والبنوك وحسابات الضمان، وعند خروجها يمكن استخدام الأرصدة المتاحة لدى البنوك وحسابات الضمان أولًا قبل اللجوء إلى الاحتياطي الرسمي.
وهذا يفسر لماذا لم ينعكس خروج 3.5 مليار دولار بالضرورة على الاحتياطي بنفس القيمة.
ومن وجهة نظري، فإن الاعتماد على رقم الاحتياطي وحده دون متابعة صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك قد يؤدي إلى قراءة غير مكتملة للمخاطر، ويتقاطع ذلك مع ما طرحه مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money بشأن أهمية فهم الديناميكيات المالية غير الظاهرة خلف الأرقام المعلنة.
إعادة توجيه رأس المال نحو الاقتصاد الحقيقي
أفضل أن تتجه الاستثمارات المؤسسية إلى القطاعات القادرة على توليد تدفقات دولارية هيكلية، وفي مقدمتها السياحة والصادرات غير النفطية والخدمات اللوجستية المرتبطة بقناة السويس والخدمات المالية التي تدير تحويلات المصريين بالخارج.
في المقابل، تظل هناك مخاطر في التركيز المفرط على أذون الخزانة المصرية باعتبارها أداة مرتفعة العائد، دون احتساب احتمالات خروج الأموال الأجنبية تحت ضغط التطورات الجيوسياسية.
وكما يؤكد بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، فإن هامش الأمان لا يتحقق بمجرد امتلاك احتياطي قوي، بل يتطلب تقييم قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.
وعلى المستوى الإقليمي، قد تمثل مصر فرصة للتنويع الجغرافي أمام صناديق الاستثمار الخليجية، خاصة في ظل توجهات تنويع مصادر الدخل المرتبطة برؤية 2030، لكن ذلك يتطلب متابعة استدامة تعافي قناة السويس واستقرار سعر الصرف.
السيناريوهات المقبلة
إذا استمر نمو التحويلات وإيرادات قناة السويس والصادرات، فقد يواصل الاحتياطي تقديم دعم نسبي للجنيه حتى مع تقلبات المحافظ الأجنبية، لكن صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك قد يظل أكثر حساسية لخروج الاستثمارات قصيرة الأجل، ما يجعل متابعة البيانات الشهرية ضرورة للمستثمرين.
وأرى أن المرحلة المقبلة قد تشهد اهتمامًا أكبر من رؤوس الأموال الإقليمية بالأصول المرتبطة بالقطاعات الإنتاجية والخدمية في مصر، بينما تظل أدوات الدين قصيرة الأجل مناسبة للمستثمرين القادرين على تحمل التقلبات ومتابعة المخاطر الجيوسياسية والسياسة النقدية.
في النهاية، تكشف تجربة أكتوبر أن قوة الاحتياطي لا تقاس بحجمه فقط، وإنما بقدرة الاقتصاد على تجديد موارده الدولارية، ومن منظور سامر شقير، فإن المستثمر الناجح يحتاج إلى قراءة التدفقات متعددة الطبقات، والتمييز بين السيولة الرسمية والأرصدة المصرفية وحسابات الضمان، وربطها بمصادر النقد الأجنبي الحقيقية، فالمراهنة على اقتصاد قادر على توليد الدولار بصورة مستدامة أكثر أهمية من مطاردة عوائد الأموال الساخنة.









